احدث المقالات

عراقُ الحضاراتِ سَيبقى وطني

"عراقُ الحضاراتِ سَيبقى وطني " مقال بقلم " حسين أكرم غويلي "       أعلم بأن ما سأكتبه لن يُغير شيئاً مم...

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالة نقد سياسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالة نقد سياسي. إظهار كافة الرسائل

18‏/06‏/2019

هل تغلغلت العَلمانية في المجتمعات العشائرية؟


الكاتب: شجاع محمود



"هل تغلغلت العَلمانية في المجتمعات العشائرية؟"

      سأكتب هذا المقال بلغة مبسطة لعلّهُ يصل إلى القارئ بطريقة سلسلة لتوضيح مفهومٍ وصل إلى هذه المجتمعات بطريقة مبهمة ومقصودة، ولستُ هنا في موضع تبني العَلمانية أو الدفاع عنها، وإنما للإجابة عن تساؤل أعتقد من وجهة نظري مشروع لكل فرد يريد معرفته والوقوف على أفكاره ومضامينهِ، فعند الحديث عن العلمانية أو الإشارة إليها في المجتمعات العشائرية ذات البنية التقليدية المحافظة (أحادية التفكير)، يتبادر في الأذهان أنَّ العَلمانية كفرٌ وإلحاد، وتدعو إلى شرب الخمر وفتح البارات والملاهي، ومخالطة الجنسين، كما أنها ضد الدين وتدعو إلى تنحيته جانباً في الممارسات الاجتماعية بين الأفراد، ويدفع بهذا الرأي بعض رجال الدين الذين ربّما لديهم قصور في فهم العَلمانية ومبادئها، أو أنهم يتقصدون على تبني الرأي السلبي للعَلمانية، وذات الأفكار تنطبق على بعض دعاة العَلمانية الذين يرون أن الدين ضد الإنسان.
والحقيقة أن العَلمانية والدين وبجملة بسيطة وبعيداً عن التنظير كلاهما يقودان إلى نفس المبادئ بغض النظر عن الوسائل، والغايات التي تحقق هذه المبادئ. فالدين يقوم على ثلاث مبادئ من ناحية الممارسة الاجتماعية وهي تتمثل في علاقة الفرد مع ربه، وعلاقة الفرد مع نفسه، وعلاقة الفرد مع الآخرين، وهو بذلك لا يختلف عن العَلمانية بشيءٍ يُذكر، لكن ثمة من يسوغ للناس لمآرب خاصة إن العَلمانية تفصل الدين عن الدولة والمجتمع في كافة المجالات.
وبالعودة إلى التساؤل الذي طرحناها في عنوان المقال، ففي الحقيقة أن ثمة مؤشرات أولية تثبت إنَّ العَلمانية قد تغلغلت في جسد تلك المجتمعات، بل أخذ كثيراً من سكانها يتبنونها وفكرياً وعملياً، ويمكن أن نُثبت صحة ما ذهبنا إليه عبر مؤشرات عديدة منها الانتخابات، ونزع بعض النساء النقاب الذي يغطي الوجه، وقيادة النساء للعجلات، ارتفاع نسبة التعليم للذكور والإناث في كافة المجالات، ولم يقتصر على مجال واحد كما كان سابقاً، إذ كان التعليم يقتصر على العلوم الدينية وللذكور حصراً، فضلاً عن ذلك أصبحت توجهات أفراد هذه المجتمعات خارج النطاق العشائري فيما يتعلق بالحوار مع الآخر والزواج من غير النسب ورابطة الدم، وغيرها من الأمور الاجتماعية. أما الأسباب التي دفعت أفراد هذه المجتمعات إلى تبني العَلمانية فهي كثيرة ولا يمكن حصرها بمقال، إلّا أننا سنحاول التقرب منها وتناولها بشيءٍ بسيطٍ، فمنها ارتفاع نسبة تعليم أفراد هذه المجتمعات بعد عام (2003)، والاختلاط الفكري في الجامعات، انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي جعل أفرادها يتواصلون مع العالم الخارجي بفضل التطور التكنولوجي والمعرفي، فضلاً عن عامل مهم ينبغي الإشارة إليه ألّا وهو التطرف الديني الذي عاشتهُ تلك المجتمعات في الأعوام (2006/2007 /2014) وارتكابها أفعال غير إنسانية تم تسويغها إعلامياً وفكرياً على أنها باسم الدين، وهي ليس كذلك لكنها جزء من الممارسات الدينية الخاطئة ذات الأبعاد الاجتهادية الشخصية، وإذا انتقلنا إلى الفئة التي تغلغلت فيها العلمانية فهي تكمن في فئة الشباب؛ وذلك راجع إلى كما ذكرنا آنفاً ارتفاع نسبة التعليم لدى هذه الفئة، واستخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في أغلب الأوقات.
ختاما ينبغي القول أن العَلمانية في هذه المجتمعات واضحة، وأفكارها منتشرة، وليس كل من يتبنى العَلمانية كافراً بقدر ما يدعو إلى تنزيه الدين وإبعاده عن المصالح السياسية، التي لا تترك شيءً مقدساً، أو غير مقدس وتستخدمه لتحقيق أهدافها بغض النظر عن الآثار السلبية الذي يتركه هذا الاستخدام، كما ينغي الإشارة إلى أنَّ العَلمانية تنتشر في مدن هذه المجتمعات أكثر من الأرياف.

#شجاع_محمود
#كُتّاب_سومريون

21‏/03‏/2019

هيمنة الدولار


الكاتب: عبد الله ناهض
             



"هيمنة الدولار"

       منذ الأزل غالبًا ما تنشغل البشرية، بالبحث عن أسرار قوة وهيمنة الدولة، أو الإمبراطورية المهيمنة في عصرها، إذ وفي الماضي البعيد، والأزمان السحيقة، وحتى ربما منذ قرن أو قرنين، كانت قوة الدولة المهيمنة، تقاس بمدى ما تمتلكه من جيوش جرارة، وأسلحة تقليدية، ربما كانت قبل اختراع السلاح الناري، أسلحة مثل السيف، والرمح، والمنجنيق، والسهام، وعدد الخيول فضلًا عن قوة أفراد الجيش القتالية، وما يتمتعون به من مهارات، هي من تحسم المعارك، وتكون لها اليد الطولى في مد سيطرة الدولة التي يقاتلون من أجلها إلى أبعد حد ممكن، فنشأت لدينا الدولة البابلية، والفارسية، والرومانية قبل الميلاد، ومن بعدها الدولة الإسلامية، كلها دول هيمنت في عصرها بناءً على هذا الأساس، فضلًا عن عوامل أخرى قد تكون دينية كما في الإسلام بالنسبة للحضارة الإسلامية، ومع تطور الزمن ووصول العالم إلى التأريخ الحديث، بدأت تتغير أساليب السيطرة، والهيمنة، وأخذت تلج إلى سوح المعارك أسلحة جديدة، وخطط، واستراتيجيات، وتكتيكات مختلفة قضت على ما كان سائدًا قبلها، وأهمها كما أشرنا سالفًا "السلاح الناري"، مع اكتشاف البارود في القرن التاسع في الصين تحديدًا، وكان أهم سلاح في بداياته المدافع، وهكذا توالت الاختراعات ليُكتشف المسدس، والبندقية...، حتى وصلنا إلى اكتشاف أخطر سلاح عرفه التاريخ وهو السلاح الذري ذلك في سنة (1945م)، وصولًا إلى اختراع الأسلحة الموجهة عن بعد، فضلًا عن اختراع الطائرات التي أصبحت لها اليد الطولى في حسم المعارك على الأرض في العصر الحديث، وغيرها كثير من الأسلحة التي تم اختراعها.
لكن!؛ ومع تطور وتعقد الحياة البشرية، ومع قيام الثورة الصناعية الأوربية في القرن السابع عشر الميلادي، بدأت متغيرات أخرى أخذت تقاس بها مدى قوة الدولة المسيطرة، كالمتغيرات الاقتصادية، والتكنولوجية...، فلم يعد يكفي أن تمتلك أسلحة فتاكة، وجيوش كبيرة، إذ لا بد من وجود بنية اقتصادية متينة، ومتطورة تستطيع عبرها دعم نفوذها، وهيمنتها، ولربما الحرب الباردة كانت خير دليل على ذلك، فالقوة الاقتصادية التي كان يتمتع بها الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، كانت تضاهي ما كان يحوزه معسكر الشرق بقيادة الاتحاد السوفيتي، على الرغم من أنَّ الأخير كان يمتلك قوة عسكرية تقليدية ضخمة، وترسانة نووية جبارة، إلّا أنّها لم تسعفه ولم تمنع تفككه وانهياره، بالتالي عملت الولايات المتحدة الأمريكية على تعزيز هيمنة الغرب عبر الوسائل الاقتصادية، وبأدوات ومؤسسات دولية ساعدتها في هذه المهمة كصندوق النقد الدولي، فضلًا عن العديد من الحزم، والمساعدات، والبرامج الاقتصادية التي هدفت عبرها إلى مساعدة حلفائها وشركائها خشية عدم وقوعهم في شراك السوفييت وشيوعيتهم، لعلّ أهم هذه البرامج "خطة مارشال"، التي هدفت إلى مساعدة الدول الأوربية التي دمرت من جراء الحرب العالمية الثانية، وقد وصلت قيمة هذه المساعدات إلى(15) مليار دولارًا، وهذا الرقم كبير للغاية قياسًا بقيمة الدولار في تلك المدة، أي ما بعد انتهاء هذه الحرب في سنة(1945م)، وانتصار الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على دول المحور، والذي قد تصل قيمته في زمننا هذا إلى(50) مليار دولار.

      هذه السياسات التي اتبعها الأمريكان، عززت من انتشار وسيادة الدولار على المستوى العالمي، لا سيما بعد أفول نجم المملكة التي لا تغيب عنها الشمس(بريطانيا)، إثر تضررها بشكل كبير من جراء الحرب العالمية الثانية على الرغم من انتصارها إلى جانب الحلفاء، لذلك أخذت الولايات المتحدة الأمريكية تملأ الفراغات والانسحابات الجيوسياسية، والجيواقتصادية التي خلفتها بريطانيا، فمن ناحية مناطق النفوذ هيمنة على المناطق التي كان البريطانيون يهيمنون عليها، ولا سيما في منطقتنا العربية، فضلًا عن بسط نفوذها على القارة الأوربية، وأجزاء واسعة من قارة آسيا، أما على المستوى الاقتصادي فقد كانت "قاعدة الذهب" هي السائدة قبل الحرب العالمية الثانية، والعملة البريطانية الجنيه الإسترليني، التي أيضًا انهارت مع انهيار النفوذ البريطاني، وقد أخذ مكانها الدولار بعد ما تحققت لها من قوة عظيمة أهلتها لقيادة العالم الغربي، ففي ذلك الوقت كانت تهيمن على نصف الإنتاج العالمي تقريبًا، وبقية العالم أجمع بالنصف الآخر.

      هيمنة الدولار هذه؛ لم تحقق من فراغ، فبالإضافة إلى حزم المساعدات المالية التي ذكرناها آنفًا، تم الاتفاق قبل ذلك في مؤتمر "بريتون وودز"، الذي عقد في سنة(1944م) بمشاركة(44) دولة، على أن يكون الدولار هو القاعدة البديلة للذهب، كعملة عالمية وقد قبل المشاركون في هذا المؤتمر، مقابل ذلك تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية للجميع، بأن لديها ما يكفي من الذهب الذي يغطي حجم ما تمتلكه الدول من عملتها الصعبة-الدولار-، وهذا ما يسمى بالدولار المغطى بالذهب، أي أنَّ قيمته تقاس بقوة هذا المعدن، وكتوضيح أكثر أتُفق في هذا المؤتمر على أن سعر الأونصة الواحدة من الذهب يبلغ(37) دولارًا تقريبًا، بالتالي تستطيع أيّة دولة متى ما شاءت أبدال ما لديها من عملة صعبة بالذهب، مثلًا لنفترض أن دولة ما لديها مليون دولار، تستطيع متى ما أرادت الذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأبدال قيمته بالذهب، بالتالي أخذت الدول تتعامل به في تبادلاتها الاقتصادية، وكان يُفرض وما زال على الدول النفطية شرط بيع نفطها مقابل الدولار دون العملات الأخرى، وهو ما ساهم بشكل كبير في ازدياد احتياطيات الدول من الدولار، وهو ما يعني زيادة القوة الاقتصادية الأمريكية، فضلًا عن وثوق الدول به كعملة قوية ومعادلة بالذهب.
إلا أن في سنة(1971م)، حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ ودون سابق إنذار أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق(ريتشارد نيكسون)، إلغاء عملية معادلة الدولار بالذهب، والعمل على تعويمه، مما يمثل نسفًا عمليًا لما تم الاتفاق عليه في "بريتون وودز"، وقد كان هذا القرار بمثابة الصدمة بالنسبة للدول حتى أنها أصبحت تسمى بـ(صدمة نيكسون)، وكانت الغاية من ذلك العمل على انعاش الاقتصاد الأمريكي، الذي كان يعاني من بعض المشكلات، وعلى رأسها البطالة التي وصلت نسبتها في حينها إلى(6%)، وكذلك بسبب ما كانت تعانيه من جراء الحرب الفيتنامية، بالتالي أصبحت الدول أمام الأمر الواقع، ولم تستطع أن تحرك ساكنًا، إذ ماذا عساها فاعلة!؟، وقد غزا الدولار بنوكها، وسيطر على كل تعاملاتها، وهنا يمكن القول إنها كانت أكبر خديعة تاريخية مارسها الأمريكان على بقية الدول، وفي المقابل خرجت أسعار الأونصة عما أتُفق عليه، وقد وصلت إلى أسعار خيالية قياسًا بالسعر السابق، إذ في وقتنا الحاضر يبلغ سعر الواحدة منها(1300) دولارًا تقريبًا!، بينما كانت بـ(37) دولارًا في حينها.
ومن ثم، أصبح الدولار يقاس بمدى قوة الولايات المتحدة الأمريكية من كل النواحي السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والاجتماعية، وأن أيّة أزمة قد تلم بها ستؤثر مباشرةً على الاقتصاد العالمي، وقيمة الدولار، وكانت أزمة سنة(2008م) خير دليل على ذلك، لذلك الدول معنية بشكل كبير في مسألة الحفاظ على قوة أمريكا، حتى لا تفقد قيمة ما تمتلكه من أرصدة، ولا سيما الدول الكبرى كألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة(بريطانيا)، والصين، واليابان، وروسيا الاتحادية...، وهي مجبرة على شراء الدولار بشكل مستمر حتى لا تفقد أرصدتها قيمتها!، وهذا ينسحب على بقية الدول الأخرى، فضلًا عن الأرصدة التي تمتلكها الدول في البنوك الأمريكية ذاتها، وهنا تحضر الدول العربية النفطية كأبرز مثال على ذلك، إذ ما هو البديل؟، ولنفترض توفره ماذا سيحصل بالنسبة لما تمتلكه الدول من أرصدة كبيرة من الدولار؟، البديل يعني أنها ستحرق رمزيًا احتياطياتها، وهذه خسارة اقتصادية كبيرة لها، لذلك تمسك الولايات المتحدة الأمريكية الغالبية العظمى من الدول من يدها التي تؤلِمها، وهذا ما حقق لها هيمنة كبرى، لذلك نراها تفرض العقوبات الاقتصادية على هذه الدولة أو تلك، ولعل أبرز مثال على ذلك في الوقت الحاضر، العقوبات التي تفرضها على إيران، وفنزويلا، والتي أدت إلى انهيار عملة كليهما!، حتى أن الصين التي تعد اليوم أهم منافس لها على المستوى العالمي، مجبرة على الشراء الدائم للدولار حتى يظل رصيدها منه محافظًا على قيمته، والذي يصل حجمه إلى أكثر من(3) ترليون دولار، مما يعني أن الدولار من أهم الوسائل التي حققت الهيمنة للأمريكان على المستوى العالمي، وهذا ما قد يغفله الكثير من الباحثين والمختصون في الشأن السياسي، فالكثير يتحدث عن القوة الأمريكية السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، إلّا أن الدولار نادرًا ما يتم تناوله كمتغير مهم ضمن أساسات هذه القوة.

#عبد_الله_ناهض
#اتحاد_الشباب_العراقي_لكتاب_المقالات

25‏/12‏/2018

دواعي الانسحاب الأميركي من سوريا

الكاتب: عبد الله ناهض




"دواعي الانسحاب الأميركي من سوريا"

      هكذا إذًا ودون مقدمات، أعلن الرئيس الأميركي (دونالد ترامب)، انسحاب قوات بلاده المتواجدة على الأراضي السورية في (19/12/2018)، بعد ما عده انتفاء شرط تواجدها ألّا وهو؛ القضاء على تنظيم (داعش)، وهو الشرط الوحيد الذي تواجدت من أجله القوات الأميركية في سوريا. هذا القرار أثار زوبعة من المواقف المعارضة له، سواءً على الصعيد الداخلي والذي كان أبرزه استقالة وزير الدفاع الأميركي (جيمس ماتيس)، إذ عد أن هذا القرار سيؤدي إلى تزعزع ثقة حلفاء بلاده بها في المنطقة العربية، بسبب ما يرونه من مواقف أميركية تفسر على أنها تخلي عنهم، أما على الصعيد الخارجي فكان أبرز المتضررين، قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية، والتي كانت هذه الخطوة بمثابة "طعنة في الظهر" بالنسبة لها إذا ما جاز لنا الوصف.
لكن، إذا ما أردنا تفسير أسباب هذا الانسحاب علينا الرجوع قبل كل شيء إلى الشعار الذي رفعه ترامب وهو "أميركا أولاً"، الذي يلخص به نهج إدارته، بالتالي فهو ينطلق في أي تحرك على الصعيد الخارجي من هذا الشعار، والذي أول ما نادى به في سنة(1991)، رئيس تحرير مجلة (Foreign Affairs) (ويليام هايلاند)، إذ يرى أن بلاده إذا ما أرادت بناء نظام عالمي جديد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ((فإن المكان الأول لتحقيق هذا الهدف هو الداخل عبر "وضع أميركا أولاً"))(1)، وهو ما سار عليه اليمين القومي الأميركي، الذي يعد ترامب من أنصاره، وعليه فإن أي قرار سيتخذه، سينطلق من هذه القاعدة، بالتالي يمكن القول إن إعلانه سحب قوات بلاده من سوريا راجع إلى جملة أسباب داخلية، وخارجية، وهنا سأركز على الجانب الخارجي تحديدًا فهو ما يهمني في مقالي هذا أكثر من الأسباب الداخلية.
ليس غريبًا أبدًا قرار ترامب هذا على الإطلاق، فإذا ما رجعنا إلى استراتيجيته للأمن القومي سيتأكد لنا دوافعه التي دعته لهذا الأمر وإن كان بطريقة غير مباشرة نستشفها من بين ثناياها، فأميركا اليوم ترى أن أبرز المخاطر المحدقة بها على الصعيد الخارجي، تتمثل في خطرين اثنين هما: خطر الصعود الصيني، وكذلك عودة روسيا، فإذا كانت الصين منافسها على الصعيد الاقتصادي، وكذلك ما تعده سرقة سافرة يمارسها التنين الصيني بحق الابتكارات الأميركية، فروسيا منافستها على الصعيد السياسي، والاستراتيجي، وقد تأكد لها ذلك بعد تدخلها في أوكرانيا وضمها لجزيرة القرم عام)2015)، وقبلها في جورجيا عام (2008)، فضلاً عن تدخلها العسكري المباشر في سوريا أيضًا كان في عام(2015)، دعمًا لحليفها (بشار الأسد)، هذا من غير الجهود الرامية التي تقودها كل من روسيا، والصين، والتي هدفها الدعوة لإقامة نظام عالمي قائم على التعددية القطبية، لا الأحادية القطبية، مما يعني تهديدًا حقيقيًا للزعامة الأميركية العالمية، أمام كل هذه المخاطر بالتأكيد لن تقف الولايات المتحدة الأميركية مكتوفة الأيدي، ولديها العديد من الأوراق القوية التي يمكن لها استخدامها للحد من تنامي هذه التحديات.
لذلك إن إعلان ترامب انسحاب قواته من سوريا، لم يكن من فراغ، بل هو في الحقيقة من أجل التفرغ لهذين الخطرين، ولا سيما الخطر الصيني، إذ يريد تركز جهوده صوب منطقة شرق آسيا، أو ما تسمى بمنطقة بحر الباسفيك، والمحيط الهادئ عمومًا، مع إعطاء دور أكبر لشركاء وحلفاء الولايات المتحدة الأميركية في منطقتنا، كتركيا، والمملكة العربية السعودية، وإسرائيل، من أجل الاضطلاع بمهمة حلحلة مشكلات الشرق الأوسط، دون أن تتدخل أميركا بنفسها مباشرة، وما عليها إلا توفير الدعم لهم سواء سياسيًا، أم عسكريًا، وهذا ما يؤكد عليه ترامب دائمًا، إذ يدعو على الدوام حلفاء بلاده تحمل المزيد من المسؤوليات، والأعباء الدولية معها، فهي ليست راكبًا مجانيًا.
وكانت أولى خطوات ترامب التصعيدية أتجاه الصين هي: فرض المزيد من الرسوم الكمركية على البضائع الصينية الداخلة لبلاده، بغية تقليل عجز الميزان التجاري الذي بين البلدين، والذي تميل كفته لصالح الصين، إذ بلغت قيمة حجم الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة الأميركية لعام(2017)(505,470) مليار دولار، بينما الصادرات الأميركية إلى الصين بلغت(129,893) مليار دولار، مما يعني أن الميزان التجاري بينهما يميل لصالح الصين، بفارقًا كبيرًا مقداره(375,5) مليار دولار، ووصل حجم تلك الرسوم على الصين التي فرضها ترامب إلى(200) مليار دولار(2)، كذلك الوقوف ضد ما أسمته الولايات المتحدة الأميركية، السرقة التي تمارسها الصين بحق ابتكاراتها، إن هذه الأسباب وغيرها، تخفي ورائها حقيقة الخشية الأميركية من النهوض الصيني السريع واثق الخطوات، فالصين اليوم هي القطب الثاني عالميًا على المستوى الاقتصادي، وما هي إلا سنوات قلال إذا ما استمرت على هذه الوتيرة، حتى تصبح في المرتبة الأولى عالميًا اقتصاديًا على الأقل، مما يعني عمليًا إزاحة القطب الأميركي عن عرينه، الذي تسيده منذ الحرب العالمية الثانية.
لذلك تهدف الولايات المتحدة الأميركية ترشيد أعبائها الدولية، وتحميل الشركاء والحلفاء المزيد من المسؤوليات للتفرغ للتحديات الدولية الأكثر أهمية من تواجدها في سوريا، والذي يمكن ملؤه من قبل الحليف التركي، أو حتى الأكراد، بالتالي لم يبتعد ترامب كثيرًا عن استراتيجية سلفه السابق(باراك أوباما)، والتي أيضًا كانت تهدف إلى إعطاء الحلفاء المزيد من المسؤوليات الدولية، وربما يعد تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا عام(2011) أبرز مثال على ذلك، إذ يعي الأميركان أن العالم أكبر وأعقد من أن تتكفل بمسؤولياته لوحدها، وتأكد لهم ذلك بعد احتلالهم للعراق في سنة(2003).
ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): نقلاً عن: يحيى سعيد قاعود-علا عامر الجعب، وثيقة الأمن القومي الأمريكي (2017) قراءة تحليلية في استراتيجية ترامب، قراءات استراتيجية، العدد العشرون، السنة العاشرة، مركز التخطيط الفلسطيني، منظمة التحرير الفلسطينية، أبريل (2018)، ص92.
(2): غولبين يلدريم: أمريكا تبحث عن خفض العجز التجاري "الضخم" مع الصين، وكالة الأناضول، 26/6/2018، على الموقع الإلكتروني:

#عبد_الله_ناهض
#اتحاد_الشباب_العراقي_لكتاب_المقالات

01‏/12‏/2018

الحروب المختلطة أو الفوضوية

الكاتب: عمر سلمان




"الحروب المختلطة أو الفوضوية"

      يعد هذا النوع من الحروب، في رأي الدكتور سرمد أمين؛ أحد النتائج المترتبة على حملة عاصفة الصحراء عام (1991م)، وتحديداً بعد احتلال العراق عام(2003م). حيث يعرفها بأنها: "صراع مسلح تغيب فيه هوية الأطراف المشتبكة في الميدان، وكذلك الروادع، القانونية، والأخلاقية المتعارف عليها في قواعد الاشتباك التقليدية، إلى جانب انقطاع صلة هذا النوع بالهدف السياسي للحرب". أي وجود القوات النظامية لدولة أو أكثر، إلى جانب وجود مجموعات مسلحة متنوعة الخلفية والانتماء، حيث تختلط قوة الدولة بقوات لا علاقة لها بالدولة نفسها، ولا تؤمن أصلاً بهدف الدولة من الحرب، ولا تخضع في قواعد الاشتباك لآمرة القوات المسلحة للدولة المهدَدَة (بفتح الدال)، وتفرض لنفسها مراكز سيطرة وتحكم مستقلة عن تلك التي تعتمدها الدولة التي يجري القتال على أرضها، يُقابلها المعارضة، أو الطرف الآخر يعمل بنفس المنطق في إدارة الصراع المسلح؛ وبهذه الصورة تختلط الصور، وتتداخل المواقع، ويصعب تحديد الهدف السياسي من الحرب؛ لغياب مركزية الدولة وتتشتت، الغايات، والأهداف، والمصالح من الحرب، ويحدد الدكتور سرمد أمين، عدة خصائص لهذا النوع من الحروب وهي كالتالي:
- الدولة المهدَدَة(بفتح الدال) وقواتها، تعد طرفاً في الحرب وربما الأضعف فيها حتى في مواجهة حلفائها.
- لكل طرف في هذه الحرب، أهدافه التي تتمايز عن أهداف الخصوم والحلفاء معاً.
- غياب الهدف السياسي، الذي يفترضه "كلاوزفيتز" لأكتمال عناصر الحرب؛ لضعف دور الدولة، وهذا ما يضفي صفة الفوضوية على هذا النوع من الحروب، فكل حرب لا تقترن بهدف سياسي هي فوضى وعبث دموي لا نتيجة تُجنى منها إلّا الدمار.
- عدم خضوع هذا النوع من الحرب، لقيادة عسكرية موحدة بين أطرافها "يوجد تنسيق فقط حسب متطلبات وضرورات كل معركة على حدة".
- تتنازع التكتيكات في هذه الحرب، حسب رؤية كل طرف وحساباته وأهدافه منها.
- اختلاف أدوات وسلاح كل طرف؛ بحسب درجة تقدم، وتطور الدولة المشتركة بهذه الحرب.
- لا توجد مدة زمنية تلتزم بها الأطراف بإنهاء إلتزامهم العسكري في مواجهة الخصوم، إذ يحق لكل طرف تحديد الوقت المناسب له؛ وهذا ما يتنافى مع الالتزام الواجب توفره في الحروب التقليدية.
- لا تعبأ هذه الحروب بقوانين الاشتباك في الحروب المألوفة، ولا تعير أهمية للقانون الدولي والتزاماته التي يفرضها بالنسبة للمدنيين، ونوعية الأسلحة المحرمة وحقوق الإنسان، والحيوان.
ربما يذهب بعض المختصين، إلى تصنيف هذا النوع من الحرب، على إنها حرب أهلية، وبالرغم من تشابه الظروف بينها وبين الحرب الأهلية؛ إلّا إنها تتميز عن ذلك النوع بأن المقاتلين ليسوا من جنسية واحدة، وكما أسلفنا فإن الجيش النظامي يعد طرفاً في الحرب، بمعية أطراف من خارج الدولة، وتحتفظ الدولة في الحروب الأهلية بشخصيتها القانونية وحقوقها؛ في حين يقرر الحلفاء نيابة عن الدولة المهددة في الحرب الفوضوية، ويصبح الوطن عبارة عن مناطق أو مربعات أمنية موزعة بين الأطراف المتحاربة.
وإذا ما أسقطنا هذا النوع من الحروب على الواقع السوري، بعد عام (2011م)، سوف لن نجد أفضل من هذا التصنيف يتوافق أو ينطبق على ما يحدث هناك حيث المنطق البائس في إدارة الصراع، فإلى جانب الجيش السوري النظامي، توجد جيوش نظامية لدول أخرى كالحرس الثوري الإيراني، ومجاميع إيرانية مسلحة كالباسيج، وقطعات من الجيش وسلاح الجو الروسي، ومجاميع مسلحة تشترك إلى جانب الجيوش النظامية للدول آنفة الذكر، على الأرض السورية كحزب الله اللبناني، وبعض الفصائل المسلحة العراقية كتشكيلات أبي الفضل العباس، ولواء السيدة زينب...إلخ، فلكل طرف من هذه الأطراف هدفه وغاياته، رغم أن الهدف ظاهرياً هو محاربة الجماعات الإرهابية، إلّا أن الأهداف والغايات الحقيقة من وراء هذا الصراع تتمايز بين الحلفاء فالهدف الروسي يختلف عن الهدف الإيراني أو التركي، وهذا ما أكده (سيرغي لافروف)، وزير خارجية روسيا قبيل انعقاد مؤتمر (إستانا) من أن أهداف روسيا في سوريا لا تتطابق جميعها مع إيران وتركيا؛ فروسيا ترى في سوريا بعداً استراتيجيا يحقق لها مصالح كبرى، ويعطي لها تواجداً في منطقة الشرق الأوسط؛ خاصة وإن سوريا هي الوحيدة التي تربطها بها هذه العلاقة القوية، ومكنتها من إيجاد قاعدة بحرية في البحر المتوسط تتزود منها السفن الروسية الحربية؛ ولذلك نجد الدعم الروسي لبشار لا يقف عند حد معين بل إلى أبعد حد سياسياً واقتصادياً وعسكرياً؛ لأن البعد الذي تنظر له روسيا في سوريا يتعدى شخصية بشار إلى أمن قومي روسي بالمنطقة، وترى في الثورة السورية التي تحولت إلى أزمة لمحاولة تغير النظام هي تهديداً لتواجدها بدعم أمريكي يسعى إلى إخراجها من سوريا بإيجاد حكومة معادية لها وموالية لأمريكا والغرب، فروسيا لا تضمن حكومة مستقبلية تحافظ على مصالحها في سوريا بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، فضلاً عن إن الحرب في سوريا، هي جزءاً من محاولة روسية تهدف إلى إعادة صفة الدولية إلى النظام العالمي، هذا بالإضافة إلى أهداف أخرى كالتنافس على الطاقة، ومنع مد أي أنابيب للطاقة إلى أوربا لا تمر عبر الأراضي الروسية أو لا تكون روسيا شريكاً فيها على الأقل. كما إن الهدف الإيراني، هو الآخر يختلف عن أهداف بقية الأطراف، حيث يتمثل بالسعي إلى تحقيق الهيمنة الإقليمية عن طريق التدخل المباشر والمسلح في الأزمات، التي تزخر بها المنطقة خصوصاً في سوريا، ولبنان، وفلسطين، واليمن وعبر توظيف أدوات محلية ذات صبغة طائفية لتفعيل هذا الدور، واستخدام مخرجاته كأوراق ضاغطة في معادلة العلاقات المتشنجة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. ويجب علينا ألّا ننسَ دور العراق في الأزمة السورية، فقد قدم العراق إبان حكم نوري المالكي التسهيلات الجوية ومرور الطائرات الإيرانية لسوريا عبر أجواء العراق، والتنسيق مع حليفه إيران عبر إرسال المقاتلين، للقتال بجانب الحرس الثوري، وحزب الله، فكان الدور العراقي سلبياً، ولم يقف مع الشعب بل وقف مع حكومة بشار؛ مما زاد الأزمة تعقيداً وأدخلت العراق بعدها في دوامة الجماعات الإرهابية، بسبب السياسة الطائفية التي تتبعها إيران بالمنطقة، وأصبح جزءٌ من العراق ملاذاً للجماعات الإرهابية الموجودة بسوريا متنقلة بين العراق وسوريا، وعلى الجنبة الأخرى تعمل المعارضة بنفس المنطق في إدارة الصراع المسلح، فهي وإلى جانب وجود المقاتلين الأجانب على الأغلب عبارة عن تشكيلات مسلحة لدول أخرى، فهناك من هو مدعوم من قبل الولايات المتحدة، ودول الخليج، وتركيا، وفرنسا...إلخ، وبديهياً إنّ لكل دولة هدفها في هذه الحرب، الذي يتقاطع مع بقية أهداف الدول الأخرى، فالسعودية مثلاً ترى نفسها دولة عربية وإسلامية ومقصداً للإسلام والمسلمين، ومن الواجب عليها دعم الثوار ضد آلة القمع الوحشية، فقامت بدعم سياسي ومالي وعسكري عبر تسليح مجموعات مسلحة شمل الجيش الحر وبعض الفصائل الأخرى، كذلك ترى السعودية أنه طالما حصلت ثورة ضد نظام الأسد الذي شكل هلالاً وحلقة وصل لإيران في المنطقة وجسراً لتمويل حزب الله في لبنان، فإن إزالة النظام سوف يغير من المعادلة والزعامة في المنطقة؛ لأن غض الطرف عنهم وعن المجازر يهز من دور السعودية الإسلامي بالمنطقة، ويعطي الزعامة الإسلامية لدولة أخرى، فلذلك كان الدعم واجباً عليها كما تعتقد في كل الأحوال وهدماً للدور الإيراني بسوريا والعراق ولبنان. أما الدور (التركي-القطري) فكانت الأهداف في سوريا متشابهة بينهما إلى حد كبير، فالمصالح متقاربة، فهم يبحثون عن مكاسب كانت الثورة هي السبيل لتحقيقها عبر تغير النظام السوري وإيجاد نظام مُوالٍ لهم يحقق ما يصبون إليه من أهداف سياسية واقتصادية تعود عليهم بالنفع، مع توافق أوروبي كذلك يدعم التوجه القطري حيال الوضع السوري ومستقبله المنشود، حيث تقف تركيا كطرف أساسي في الأزمة السورية بسبب أربعة ملفات ضاغطة: مشكلة اللاجئين والنازحين السوريين، مشكلة الأكراد والخشية من دعم أكراد سوريا لحزبPKK، لذلك نجد أن تركيا قامت بفتح الحدود لوصول المقاتلين الأجانب مع تقديم تسهيلات لهم مع خروج قادة الثورة مراراً وتكراراً مطالبين بوقف تدفق المقاتلين، وإن سوريا ليست بحاجة إلى مقاتلين بل إلى سلاح، لكنهم لم يلقوا آذاناً صاغية لمطالبهم التي حذروا فيها من دخول المقاتلين لمّا يشكلونه عليهم من عبء. فتدفق المقاتلون من الدول العربية والإسلامية والأجنبية، وتكونت جماعات إرهابية مسلحة؛ بسبب الدعم التركي القطري، ونشأ تنظيم القاعدة الذي تحول فيما بعد إلي تنظيم (داعش).

     أن فسح المجال أمام التدخلات الأجنبية في الشأن السوري الداخلي، أدى إلى ضياع مركـز القوة السيادية للسلطة، وتشتيتها إقليمياً في شكل أوراق سياسية بيد أنظمة الدول المجاورة، والقوى الإقليمية والدولية المهيمنة، حتى أصبح الدور الروسي، والإيراني، والتركي، وكيلاً عن المعارضة السورية والحكومة، ولم يعد ممكناً العودة إلى ما قبل الثورة، مما أدت هذه الحرب إلى فوضى عارمة؛ نتيجة فشل الدولة، فظهرت مشكلة الإرهاب، ومشكلة النزوح والهجرة غير الشرعية واللاجئين ومشكلة الإغاثة، وتحولت المشكلة السورية إلى كارثة إنسانية مريعة ومشكلة عربية.

#عمر_سلمان
#اتحاد_الشباب_العراقي_لكتاب_المقالات

المقالات الاكثر قراءة