احدث المقالات

عراقُ الحضاراتِ سَيبقى وطني

"عراقُ الحضاراتِ سَيبقى وطني " مقال بقلم " حسين أكرم غويلي "       أعلم بأن ما سأكتبه لن يُغير شيئاً مم...

‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل

21‏/09‏/2019

مُجتمع بمجذافٍ واحد


الكاتبة: آيات عادل اللامي





"مُجتمع بمجذافٍ واحد"



       تخيل معي إنك جالس في مركبٍ كبيرٍ، ومعك الكثير من الأفراد؛ لكنك الوحيد الذي يقوم بالتجذيف... هل ستصل بهم إلى شاطئ الأمان؟!

هل ستنقذهم وحدك بيديك الصغيرة من غرقٍ مُحتم؟

بالتأكيد لا، لا بُدّ أن يساهم الجميع ويقوم بالتجذيف معك كي تصلوا إلى وجهتكم دون عناء.

تماماً كالذي يُربّي ولَدَه على الخُلق القويم، والمُثل العليا، يُعلّمه احترام الكبير، وطأطأة رأسه عند سماع أيّ نصح، أو توبيخ، لكن؛ من الصعب أن ينجو وسط وحل انعدام الخُلق، وسوء التربية…

بل سيتم تجاهله، و وضعه في خانة الأشخاص السُذَّج، سيخبرونه أن هذا العالم مليء بالأوغاد، وعليك أن تصبح واحداً منهم لتربح المعركة التي خُلِقت من أجلها!

نعم، لستُ أبالغ إن وصفتُ ما نعيشه بمعركةٍ، ومن المؤسف أن تسير الحياة على عكس ما يُفترض أن يكون… وكيف لها ذلك؛ ونحن نرى المُعلّم يخشى تلاميذه الصغار! يضع في حسبانه ألف حد قبل أن يتحاور معهم! ويالَّ شقاءه إن أنَّبهم عن فعلٍ خاطئ، سيجد أمام عينيه، والداه بنظراتٍ يملأها الغضب، وتعابير متضجورة، وشفاه تكاد أن تنفجر بكلمات الذم، والجحود، وكأن ولَدَهم الملك المُبَّجل الذي لا يُخطئ!

لكنهم؛ بهذا التصرف المؤسف، سيجعلون منه شخصاً فاشلاً لا يحترم ولا يخشى معلماً أو كبيراً في السِن، سيغرسون في عقله الصغير ألّا يدفع بالتي هي أحسن، بل بالتي هي أقوى، وأسوأ، وكأنّهم في سباقٍ والفائز بهم سيحصل على نوط الشجاعة.

ها قد أصبح الأطفال كالوحوش، يفترسون الضعيف، أصبحوا معجماً مُتنقلاً للكلام البذيء.
تناسى الوالدان التعاليم، ألتي جاء بها ديننا، ورسولنا الكريم، تناسوا: أنَّ الله لا يحب الجهر بالسوء من القول" و "حبْ لأخيك ما تحبّ لنفسك" و"الكلمة الطيبة صدقة"، وغيرها الكثير من الآيات، والأحاديث النبوية التي غض الوالدان أنظارهم عنها ووضعوها على رف التجاهل، تلك التي استُبدِلت بكل ما من شأنه أن يُلقي بالمجتمع إلى الهاوية.

علموا أولادكم أن الخير؛ هو الأساس الذي تُبنى عليه الحياة، وأن لا شيء يُضاهي المحبة، والعطاء.

وتذكروا أن الطفل كالعجينة التي تتشكل وفقاً للأيادي التي تهتم بها.

والآن أيها القارئ:

أرأيت ماذا يحمل المركب؟، هل تُرى أن الأشخاص كباراً، وصغاراً يجرون وراء فسحةٍ كبيرةٍ من الظلم، والفساد، والشرور ظناً منهم أنَّها الملاذ الآمن وطوق النجاة الوحيد، في هذه الحياة!

هل تُرى أنك مع عددٍ قليلٍ جداً، إن لم تكن بمفردك، من يهمه أمرهم جميعاً!

لكني لا أقترح أن تترك المِجذاف، وتنضم إلى صفوفهم ففي ذلك خسارة لضميرك، ومبادئك، ينبغي عليك أن تُبحر بعيداً عنهم، أن تتجاهل وجودهم، وإنْ كلفَّ الأمر حياتك، فماذا ينتفع الأنسان لو ربح العالم كله، وخسر نفسه.



#آيات_عادل

#كُتّاب_سومريون

09‏/09‏/2019

النجاح الذي يُقصينا


الكاتبة: ريام الربيعي




"النجاح الذي يُقصينا"

        يحدث أنْ نتغير كثيراً، أنْ نُرفض ونَرفُض، أن نتلقى الصدمات تلو الأخرى، يحدث أيضاً أنْ تتلقفُنا يد الحرب لتصنع منّا أُناساً آخرين، وأتعس ما يمكن أن يحدث هو أنْ يُقصينا الإنجاز الذي طالما سعينا لأجلهِ بكل ما أوتينا من قوة وطموح.
"Rebel in the rye"،"مقاتل في حقل الشوفان"؛ الفيلم الذي يتحدث عن سيرة حياة الكاتب والروائي الأميركي "جيروم ديفيد سالينجر"، صاحب رواية "الحارس في حقل الشوفان" الصادرة عام (1951م)، والتي حصدت شهرةً واسعةً جداً، وبيع منها (65) مليون نسخة.

      لُقبت بالرواية التي أقصت صاحبها، إذ جعلت هذه الرواية الكاتب "جي. دي. سالينجر" يترك المدينة ويعيش منعزلاً في بيتٍ ريفيٍ في "نيوهامشير" لمدةٍ طويلةٍ جداً، حتى وفاته في يناير (2010م) عن عمر (91) عام.
الفيلم جميل وممتع، بتحدثه عن حياة الكاتب والتقلبات الكبيرة التي رافقتها، رغم الطاقة السلبية التي تبثها حياة الكاتب بشكل عام.

     المُشاهد للفيلم سيلاحظ أنه أمام حالة قد تتكرر كثيراً في المجتمع، وقد تحدث معهُ ومعنا شخصياً، إذ يحدث أنْ نسعَ في مجالٍ معينٍ، فتجدنا نبذل قصارى جهدنا للوصلِ إلى شيءٍ ما، أو النجاح في مجالٍ ما، أو اكتساب صفةٍ ما، فنجتهد، ونُخذل، ونتلقى الصفعات تباعاً، ونستقبل أنواع التنمر والازدراء كافة، دون أنْ نكفَّ عن هدفنا، لكنّنا ما إنْ نصل للنجاح الذي كنا نرجوه أو نرجو حتى الرُبع منه، فإنّنا نُصاب بردةِ فعلٍ غريبةٍ، فتَرانا ننبذ الشُهرة التي حَلمنا بها ليالٍ طِوال، ونتوارى عن العيون التي طالما رغِبنا أنْ نسير الخيلاء أمامها، بل إنّنا قد ننفر أشكال المتعة والرفاهية كافة، التي يُغدقها علينا هذا النجاح، وننزوي بعيداً؛ كما فعل هذا الكاتب الأمريكي حين هجر المدينة وأعتزل في الريف حتى نهاية حياته، بعد نجاح روايته الأولى، بل إنَّه أعتزل حتى النشر بعدها.

تُرى ما الذي يَجعلُنا نُصاب بمثل هذا الأمر؟!
أهو الخوف من فكرة أننا قد لا نُحقق النجاح الذي حققناه في قادم التجارب، وهو ما ينعكس سلباً على نجاحنا الأول والمُدوّي، ويفتح الباب واسعاً للانتقاد، بل الأسوأ فأنه قد يفتح بابَ الشكِ على مِصراعيهِ فيما يَخص قُدراتنا وإمكانياتنا؛ والتي تجلّت في نجاحِنا الأول، وخاصة إذا ما كان نجاحاً ساحقاً، وهذا ما طال بشكل أو بآخر الكاتب "جيروم ديفيد سالينجر"، لذا نعكف على الحِفاظ على ما تحقق؟، أم إنّنا نأخذ السعي لنجاحٍ ما، على إنَّه نزوةٍ وتحدٍ للذاتِ، ما إنْ نُحققهُ حتى نفقد الشغف فيه تماماً، أو ربما يكون الأمر مُرتبطاً بما قاسيناه من ألمٍ، وتعبٍ، وانتقاصٍ، خلالَ مسيرتنا لتحقيق هذا النجاح، الأمر الذي أفقدنا لذته ولذة التمتع بتبعاته، وأيضاً قد يكون الأمر مرتبطاً بالحالةِ النفسيةِ للشخصِ صاحبَ النجاحِ، فقد يكون قاسى الكثير في حياته، ممّا جعله لا يُحسن التعاطي مع ما حققه، ويجعله يعزف عن إكمال مسيرته في هذا المجال.

     أيَّاً كانت الأسباب، فإنَّ مثل هذه الحالات ستترك أثراً سلبياً وإحباطاً كبيراً لمتتبعي هؤلاء الأشخاص، أو السامعين بقِصصهم، أو أولئك الساعين في ذاتِ مجالاتهم، أو حتى كل من يسعى للنجاح في مجالٍ ما، فإنه حين يقرأ، أو يسمع، أو يشاهد القصص التي تستعرض هكذا حالات، فإنَّه لا بدَّ أنْ يُصاب بخيبةٍ عميقةٍ قد تحبطه وتحط من عزيمته.
لذا لا بدَّ أنْ يكون إيماننا بأنفسنا كبيراً، وأنْ نتتبع شخصيات لها مسارات تبعث فينا الأمل والطموح، وأنْ ننظر لهذه الحالات ذات النجاح المبتور، إنْ صحَّ التعبير، على إنَّها حالاتٍ فرديةٍ تُمثل أصحابها، وأنْ نلتمس العذر لبعضها لما يكون قد صادفهم من ظروفٍ وأحداثٍ حينها، كما في مثالنا المذكور عن الكاتب الأمريكي الذي خسر حبيبته "أونا أونيل"؛ بشكل مفاجئ وقاسي حين علم بخبر زواجها من الممثل الكوميدي "تشارلي تشابلن"، الذي يكبرها ب (٣٦) عام؛ صدفةً عندما كان في أحد معسكرات الحرب العالمية الثانية؛ فوقع بصره على صحيفة تحمل الخبر كانت بيد أحد الجنود، ما أصابه بصدمةٍ كبيرةٍ؛ وجعله محط سخرية من قبل الجنود في المعسكر، بالإضافة لمشاركته في معارك الحرب العالمية الثانية، وما ترسخ في مخيلته من مشاهد الموت والرعب، وهو ما كان له بالغ الأثر في نفسه، فبالكاد أستطاع أن يتخلص من طيف الحرب الذي كان يلاحقه دائماً، وغيرها من الأمور التي قاساها خلال فترة شبابه.

     أخيراً يجب أن نصنع لأنفسنا مسارات خاصة بنا، وأنْ نسعى لتحقيق ذواتنا بطريقة تُليق بنا، وأن نشحذ هممنا بقراءة سِيَر الشخصيات الناجحة والمؤثرة التي تُرَصع صفحات التاريخ، وأن نجعل منها قدوة لنا في طريقِنا للنجاح.

#ريام_الربيعي
#كُتّاب_سومريون

08‏/09‏/2019

المقدم الإذاعي بين جمالية الفصحى وضرورة اللغة الدارجة


الكاتب: حسين بن خليل




"المقدم الإذاعي بين جمالية الفصحى وضرورة اللغة الدارجة"



      كل ما نتحدث به يوميًا، هو لا يَمُتُ للغتنا العربية بصلةٍ، إلّا من بعيدٍ جدًا، لكنّا في النتيجةِ أعتدنا على الكلمات والألفاظ الدخيلة على اللغة، واستخدمها المجتمع العربي نتيجة التأثيرات الناتجة عن الغزوات على مرِّ العصور، فتغيرت معالم اللغة العربية حتى أصبحت بما هي عليه الآن. لكن التعليم والمعاملات الرسمية قد حافظت على الشكل العام للغة العربية، وانعكس الأمر على الإعلام المرئي والمسموع والمنظور، فكان الإعلام يتحدث الفصحى على مدى العقود الماضية، وأخذ يتفنن بعض الإعلاميين إبراز إمكانياتهم اللغوية كما: الأدباء والكُتّاب، ولم يسمح لمقدم البرامج ولا مذيع الأخبار بتقديم رسالته الإعلامية إلّا باللغة الفصيحة والنقية، حتى وصل الأمر أنَّ أول اختبار يخضع له مقدم البرامج هو اختبار اللغة.



      استمر الأمر لعقودٍ طويلةٍ يُقيّم مقدم البرامج على أساس اللغة أكثر من الأمور الفنية التي تتعلق بعلم الإعلام. في السنوات الأخيرة ومع إشاعة تناول معظم المفاهيم في المجتمع باللغة الدارجة، وترسيخ الموروث الشعبي غابت اللغة من صدارة المشهد للمتحدث بصورةٍ عامةٍ؛ وانعكس ذلك على الإعلاميين وخاصة مقدمي البرامج التلفزيونية والإذاعية، مع إنَّ المقدم التلفزيوني قد يختلف عن الإذاعي، كون الأخير لا يخضع للمعاير كما الأول؛ لوجود اعتبارات أهمها: إنَّ المقدم الإذاعي قد يتحدث ما يشاء خلف الميكروفون، فهو بالتالي خلف الكواليس، وإنَّ نسبة سماعه تختلف مقارنة بالمقدم التلفزيوني، مع ذلك بقي كبار الإعلام وكبار المثقفين يطالبون المقدم باللغة السليمة، ويُشكلون على الإذاعات المحلية عدم وجود مقدمين يشبعون طموحهم.



      كل ما سبق وفيما يخص ضرورة أنْ يتحلى المقدم بلغةٍ سليمةٍ وجميلةٍ قد يراه البعض الآخر ليس ضروريًا في العمل الإذاعي، ولا داعِ لأن يتقيد المقدم باللغة، ولا يجب أن يكون متكلفًا، فذلك يؤدي إلى عزوف المستمع، لأنَّ ذلك يشعره بالملل من المادة الإعلامية المقدمة، وبالتالي يركز مديري البرامج على المقدمين تقديم البرنامج باللغة الشعبية والطريقة السلسة الاعتيادية، حتى أحدهم يقول عليك تقديم البرنامج وكأنّك تُحدث زميل أو أحد أفراد العائلة، والحُجة في ذلك إنَّ المستمع لا يفهم اللغة الفصحى ويرغب باللغة الدارجة، فهو يفهمها بسرعة ويستهويها أكثر.



     كيف للبعض أنْ يُفكر بهذه الطريقة! والتي من خلالها يُعطي الصورة المغايرة للعقلية العراقية، ويجزم على أنَّها لا تستوعب لغتنا العربية الأم، وهذا غير صحيح تمامًا، وهنا يجب ألّا تكون المطالبة بسلامة اللغة مجرد شعار، وفي الكواليس تتم مطالبة المقدم بأن يستخدم اللغة الشعبية في تناول الأحداث، ومواضيع البرامج في الإذاعات المحلية. في الختام لا بدَّ من الرجوع إلى إعطاء اللغة الفصحى الأهمية البالغة، وعدم وضع المقدم في أمرٍ لا يُحسد عليه، فهو الآن حائرًا بين التقيد بجمالية الفصحى، وضرورة شعبية التقديم الإذاعي، وهنا نركن إلى فقدان أهم عناصر التوجيه للمتلقي.



#حسين_بن_خليل

#كُتّاب_سومريون

19‏/07‏/2019

النرجسية وأثرها على التكامل الداخلي للفرد


الكاتب: حسين أكرم غويلي




"النرجسية وأثرها على التكامل الداخلي للفرد"

     النرجسية "Narcissism": هو مصطلح أعتمده الطب النفسي الحديث، لتشخيص واحد من الأمراض النفسية الخطيرة، التي غالباً ما تصيب الرجال والنساء على حدٍ سواء، وإذا ما بقيَّ الأمر عليه بدون توقف أو علاج، ستؤدي النتائج إلى مآسي ذاتية واجتماعية خطيرة جداً.
ولا بدَّ من التعريج على أصل كلمة النرجسية التي تعود إلى الأسطورة اليونانية القديمة لشاب باهر الجمال أسمه "نارسيس" الذي كان معجباً بنفسه بإفراط، وهذا الشاب من كثرة ما كان مغروراً بنفسه، كان يقضي طول يومه ينظر إلى صورته في ماء البحيرة ليتأمل جماله، واستمر على هذا الحال حتى مرض نفسياً بسبب هذا التعلق الذاتي، وبمرور الزمن فقد عقله. وفى أحدى خلواته بتواصل الهيام مع ذاته وعشق صورته المعكوسة من ماء البركة، قفز إلى صورته ليمسكها ولكنه غرق ومات. وظهرت في مكانه زهرة سميت على أسمه وهى زهرة النرجس المشهورة.
من أهم أعراض النرجسية: هو الحبّ المفرط للذات أو ما يسمى بعشق الذات أو تعظيم الذات، والشعور الدائم لدى النرجسي، بشخصيته النادرة الوجود، ومن النوع والمستوى الخاص والفريد بالعالم، وهو غير مفهوم إلّا من خاصة الناس القلائل جداً، ويجب أن يحظى دائماً من الآخرين احتراماً وتبجيلاً خاصاً طول الوقت، و يتصف بطبع الاستغلالية والابتزاز، والوصولية بالاستفادة من مزايا الآخرين، وتمتع بالغيرة المفرطة من الآخرين، والأستماتة بالحصول على المناصب، والانتهازية المتطرفة بتبني الأفكار والمواقف.
تتفاوت طبيعة الإنسان بتبني بذور النرجسية المغروسة في النفوس، باختلاف طبيعة العوامل الذاتية أو الظروف المحيطة المشجعة. ومن الطبيعي جداً أن يولد الإنسان ولديه بعض بذور الأنانية والنرجسية كما يبدو في كل رضيع جديد وهو يتمسك بثدي أمه عندما تقوم بإرضاعه، وهو يحاول التشبث أكثر كلما حاولت بانتزاعه من فمه، مع أطلاق صرخاته المستنكرة التي تشق عنان السماء، ولكن المسألة ستكون في غاية التعقيد، عندما تنذر عن نتائج غير محمودة بالمستقبل، بتثبيت هذه الحالة الأنانية الطفولية وانتقالها إلى مراحل عمرية متقدمة.
كما تجدر له الإشارة، فمن حق الإنسان أن يمتلك حداً معقولاً من هذه الأنانية أو النرجسية التي تعبر عن حب الذات، ما دامت محدودة ومحكومة من العقل بحدود التنافس المشروع لأيّ نجاح مؤطر بالأخلاق والمثل الاجتماعية.
ولا نبرئ بأنفسنا عن الأعراض النرجسية أو الجنون الوقتي، خصوصاً ونحن نعيش إرهاصاتنا اليومية وراء الكواليس وأمام المرآة، ولو أعيدت لقطات مشاهدنا علينا أو على غيرنا بواسطة الحقيقة الخفية. لوجدنا أنفسنا لا تنأى عن الجنون، إلّا بفاصل شعرة، ومتى أزيلت هذه الشعرة لأي طارئ، فإننا سنجد مصيرنا محتم في مستشفى المجانين، والأمثلة كثيرة:
كالوقوف أمام المرآة في خلواتنا مع أنفسنا المبتهجة، وتوزيع كل أشكال وألوان الابتسامات المتصنعة التي لا يفعلها إلّا المجانين أو تجربة أشكال التعبيسات أثناء الحزن، وأشكال التكشيرات المتوعدة بالتمزيق والويل والثبور أثناء الحنق مع النفس، أو أمام المرآة، والتي لا يصنعها إلا المخبولين. أو التباهي بالتسريحة الجديدة، وتشميرة "كذلة الشعر" من جانب إلى آخر أمام المرآة، مع الابتسامة الظريفة للإغراء، المقرونة عادة بـ "صدقة ال الله"، وأحياناً أطلاق القهقهة للشماتة بالآخرين الغير موجودين والتي لا يقوم بهذه الحركات إلا المعتوهين. أو قيام بعضهن باستعراض أزياءهن الجديدة، بلفات راقصة حول أنفسهن، أمام المرآة، أو القيام باستعراض مفاتنهن الجمالية بالهز والوز ورقصات الهجع، مع خصب خيالهن بانتظار دوي تصفيق آلاف المشجعين من وراء الأبواب أو الشبابيك، وكأنهن ماسكات بأقلام كحلهن للتوقيع على طلبات الطوابير الطويلة من المعجبات والمعجبين. وبمجرد ابتداء البعض من الشباب بإجراء التمارين الخاصة بجمال وكمال أجسامهم يقومون بالاستعراض مع أنفسهم وأمام المرآة وبترجيف العضلات بشكل مثير للسخرية والضحك.
ويبقى السؤال المهم يطرح نفسه بيننا، كم وكم من أمثال هؤلاء يعيشون بيننا، ويتربعون على أهم مفاصل حياتنا ومجتمعاتنا، وخصوصاً من فنانين وسياسيين وكُتّاب ومفكرين ومحللين إلخ.
وهم يتمثلون بأغلب هذه الصفات النرجسية المجنونة؟ وهم مغمورون بدعمنا المباشر وبمديحنا المغال والمنافق في أكثر الأحيان، وبمناسبة أو بدون مناسبة، لحد ما وجدوا من أنفسهم، منفوخين كالضفادع، والبعض الآخر الأوفر حظاً ووصفاً بالمثالية والعبقرية والهمشرية، صاروا مزهويين بريشهم المنفوش كالطواويس. وحتى من دون أن يتجرأ عليهم أحد بتوجيه النقد الحقيقي، وسط هذا العالم المجنون.
إذاً نحن جميعاً في أتون الواقع، محتضنين لفايروس النرجسية ومصابين بمس وقتي من جنون العظمة، الذي سيقودنا حتماً إلى مستشفى الشماعية آجلاً أم عاجلاً!، في حالة عدم تمسكنا بحدودنا الأخلاقية، بالتعامل مع الذات ومع كل الناس، ووضع كل الوصايا الأدبية والقيمية نصب أعيننا دائماً فهي الواقي المحصن من الانحراف أو الشذوذ النفسي قبل الوقوع ببراثن جنون العظمة، ويجب أن نتذكر دائماً وصايا الله علينا، فهو المهدي وهو المعين: كما في قوله تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) لقمان/18
وأيضاً قوله تعالى: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) الإسراء/ (37-38).

وعليه معرفة الإنسان بذاته هي صيرورة بناءه، وبالثقة بالنفس يزدد حباً بذاته لا بنفسه، وكلما زاد وعي الفرد بنفسه يصبح أكثر قدرة على التحكم في سلوكه وأفعاله وفهم دوافعه، بل إنه يصبح أكثر قدرة على الإنتاج وإفادة غيره ممن يشاركه نفس التجربة.
والمضطرب المستبصر بحالته أفضل من السوي غير المستبصر لِما يدور من حوله، وهذا لن يحدث إلّا إذا أدرك كل فرد نقاط القوة والضعف التي تكمن داخله وتحركه وتفهمها. وفي هذا السياق يمكن أن نطبق مقولة خودوروفسكي: "داخلك وخارجك هناك ملائكة وشياطين، قوى إيجابية وسلبية، هذه القوى ليست طيبة أو شريرة، إنها ضرورية للتوازن الحيوي للعالم".

#حسين_أكرم_غويلي

#كُتّاب_سومريون

المقالات الاكثر قراءة