احدث المقالات

عراقُ الحضاراتِ سَيبقى وطني

"عراقُ الحضاراتِ سَيبقى وطني " مقال بقلم " حسين أكرم غويلي "       أعلم بأن ما سأكتبه لن يُغير شيئاً مم...

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالة فكرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالة فكرية. إظهار كافة الرسائل

21‏/03‏/2019

الإسلام والجنس، مقاربات في فهم العلاقة بينهما


الكاتب: كاظم عبد الله




"الإسلام والجنس، مقاربات في فهم العلاقة بينهما"

     الدين بالرغم من كونه ذا منشأ إلهي سماوي إلّا أنه يرتبط في أكثره بمفاهيم أرضية إنسانية عديدة جاء ليحاكيها أو يقننها تقنيناً يتناسب مع إرادة الرب وتطلعاته، ينشأ مع بعض تلك المفاهيم نوع علاقة جدلية تأثيرية وتأثرية تنعكس نتائجها على مسرح النص الذي يحتوي ذلك المعنى السماوي والواقع الإنساني المعاش؛ ومن أهم تلك المفاهيم وأكثرها فاعلية في تأريخ الإنسان هو الجنس وما يحكيه عن أبعاد تكوينية مغروسة فينا تشكل جزءاً من ذواتنا وطيفاً من الأطر الاجتماعية التي نعيشها.
فلو اقتفينا دلالات بعض النصوص القرآنية في ما يخص مفهوم الجنس وتمظهراته العديدة، كالعلاقات العاطفية أو الزوجية وغيرها فإنا سنظفر بالآتي:
- اصطباغ بعض النصوص الدينية بصبغة تجريدية تهدف لتجريد مفهوم الزوجية من كونه مفهوماً يحكم العلاقات الإنسانية الخاصة إلى كونه قانوناً عاماً يحكم الكون على نحو من الزوجية الإثنينية التي تشكل ترابطاً وجودياً دائماً، وهذا نوع من بيان الأبعاد التكوينية لهذا العالم وشرح لأهم قوانينه وسننه. فإنَّ في عبارة (من كل شيء) في قوله تعالى }وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{ (الذاريات/ 49)، يسترعي تأملاً وإنعام نظر... فالوجود والعدم والخير والشر والموت والحياة ثنائيات تكون العالم وتسري في جميع أثاره وتجلياته.
- تمحور النص القرآني في أجماليات نصوصه على إبراز الأبعاد الإنسانية في الإنسان، وتعهده أيّها بالإنماء والتكميل، ومن بين أهم تلك الأبعاد الإنسانية التي أضائها النص بالخصوص وعالجها بالتشريع والتقنين هو البعد الجنسي في الإنسان، فقد أعلى النص من دوره إلهام في أصل تكاثر الخلقة وتناسلها وكذلك ما له من دور أصيل في حياة الاجتماع بما يفرزه من مفردات أخلاقية كالعرض والشرف والعفة وغيرها، بعيداً عن مواقف الإفراط أو التفريط، من ديانات تمارس فيها الآلهة الجنس مع البشر إلى ديانات تعتبره دنساً يحد من سير الإنسان إلى الله، لذلك كان قابلاً لأن يوصف بالقداسة تارة أو الدناسة أخرى بحسب ما يتلائم مع ما رسمه له الشرع من أهداف.
- إحلال اللذائذ الجنسية في الجزاء الأخروي للإنسان، فإن كثيراً من ظواهر النصوص مشحونة في ذكر الحور، والتطويل في سرد خصالها وما لها من صفات، لتكون باعثاً ومرغباً للطالبين في طي الكمالات والظفر بالجنة التي وعد الله، وبالإمكان إرجاع ذلك إلى سببين رئيسيين:
1- لزوم تناسب الجزاء مع تطلعات الإنسان وما تمليه عليه طبيعته من أهداف وآمال، وإلّا فلو جوزي الإنسان بغير ما يتطلع لأنقلب الثواب عقوبة، فإن للإنسان طبيعة هي غير كل الطبائع، لذلك فإن إحلال تلك اللذائذ في الجزاء الأخروي ما هو إلّا تماشياً مع هذه الطبيعة وإشباعاً لها.
2- إنَّ لأبدية انسياق النص الديني مع الفضاءات العقلية التي تحكم الجزيرة، وكذلك تلبسه بلغة بشرية مع ما لها حمولة ثقافية لا يمكن الفكاك من أصرها، قد ألجأت النص على أنتهاج أساليب خطابية تتناسب مع ثقافة البادية والعقل العربي البدائي، لذلك كثرت استعارات النص في الترغيب باللذائذ الحسية كالحور والحدائق والأنهار في بيئة صحراوية تفتقد لأبسط تلك المقومات، وإلّا لو كان القرآن قد نزل في بيئة وزمان مختلف لاختلفت مع ذلك أساليب التعبير وآليات الخطاب، وما ذلك التغيير سار إلى جوهر الدين ولبّه، بل ما هو إلّا تكثر وسائلي بحسب ما تفرضه تغيرات الزمان والمكان. ورغم هذا كله هذا لا يعني البتة أغفال النص لضروب الجزاء الأخرى، فقد أشار النص كذلك إلى أنواع من اللذائذ المعنوية التي تليق بالإنسان الكامل المتجرد من عوالق المادة والحس بما تتناسب مع تطلعات ذلك الإنسان التي هي وليدة الفهم العميق للنظم العقدية مع عمل صادق يؤكد هذا الفهم ويسنده، فإنك لو تأمل النصين المباركين }وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ{ (الأعلى/ 17)، وفي نص آخر }وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ{ (طه/ 73)، ليكفيك ذلك على تعدد الخطاب شاهداً ودليلاً.
ومما يمكن استخلاصه، أنَّ الإنسان بجميع أبعاده الحياتية، الفطرية منها والمكتسبة، يمثل بُنىً فوقية ويكوّن الدين -بما يرفدها من تشريعات وقوانين ويرسم لها من أهداف- بناها التحتية. وإن التغيير في أساليب التعبير، لا يعني ذلك تغييراً في جوهر الخطاب، فإن عقل المخاطَب ومستوى تفكيره يوجب على المُخاطِب مستوى من الخطاب، وإلّا لما عُدَّ المخاطِب مخاطِباً، مع بقاء الخطاب محتفظاً بغزارته وعمقه وإن بدا سطحياً وساذجاً.

#كاظم_عبدالله
#اتحاد_الشباب_العراقي_لكتاب_المقالات

02‏/02‏/2019

أستهجان الخطاب الديني

الكاتب: حسين خليل



"أستهجان الخطاب الديني"

      لعل الطبيعة الفطرية لكل دين أو معتقد، هي من تجعل شخوص الصف الأول من حملة الدين ومنظريه في كل حقبة ما، في صراعٍ دائمٍ مع العامة، سواءً من هم تحت عباءة ذلك الدين أو لا، من خلال الاستمرار في إعادة إنتاج ثوابت الدين ومسلماته وتصديرها بخطاب ممنهج للحفاظ على الوجود أو حتى في بعض الأحيان يتعدى الأمر إلى السيطرة المطلقة على أكبر عدد من المجتمعات وضمها إلى اعتناق الدين أو ذلك الفكر، هذا الخطاب غالباً ما يكون على شكل رسائل تصدر إلى الجماهير بغية إقناعهم أو زيادة إيمانهم, أما الرسائل الدينية، أي نواة الخطاب الديني الإسلامي على الرغم من تعدد المذاهب والتيارات الإسلامية، فهو لا يعدو كونه مجموعة تعاليم مستمدة من القرآن والسنة النبوية والتشريع، وتختلف المذاهب في تفاصيل تطبيقها مما يجعل الخلاف واضحاً وعميقاً في بعض الأحيان، ولا أريد الخوض في الخلافات المذهبية والعقائدية بقدر تبيان أسباب الاستهجان الجماهيري للخطاب الديني بكل أنواعه، خاصة بعد عام (2003) في العراق وذهاب الشباب الذي يطلق عليه تسمية الواعي إلى العلمانية أو المدنية أو حتى الإلحاد.

       بالعودة إلى الخطاب الديني بالمجمل فهو بدأ منذ بعثة الرسول وإلى يومنا هذا ومر بمراحل عديدة واستفحل بتعدد أدواته وإدخال التكنولوجيا المعلوماتية في تصديره للجماهير وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ الخطاب قبل سقوط النظام كان يركز على مفاهيم بنيوية وتعبويه للفرد والمجتمع، وبالتالي الجماهير خاصة الشيعية تجعل من الدين ومن يحملونه على أكتافهم المخلص الأوحد لما يمرون به من ظلم واضطهاد متجذر منذ مئات السنين، ويعد الخطاب الديني الشيعي في العراق طوال هذه السنين خطاب اجتماعي ضد السلطة، يأخذ من القضايا التاريخية منطلقات لترسيخ مفهوم الثورة ورفض الظلم وبالتحديد القضية الحسينية، وما تلاها من ثورات على عكس الخطاب الديني في إيران بعد نشأة الدولة الصفوية والتحولات التاريخية, إذ يُقسم الدكتور علي شريعتي في كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي التشيع بشكل عام إلى ما قبل قيام الدولة وهو الإسلام الحركي ضد الإسلام الرسمي أو الحكومي، وهنا فإن الأمر يكون تعبوي استثنائي، أما بعد قيام الدولة ضمن الرقعة الجغرافية التي سيطر عليها الصفويين إلى تشيع حكومة ونظام وأصبح الخطاب الديني بعد الثورة الإسلامية نهج أكاديمي كذلك الأمر ينطبق علينا في العراق فإن الخطاب الديني مر بمرحلتين وأقصد في التاريخ الحديث أي منذ تأسيس الدولة العراقية ولغاية الوقت الحاضر إلى الخطاب الناتج عن التشيع الحركي ضد الدولة وتوجهاتها القمعية، وأيضاً الخطاب الناتج عن تشيع حكومة ولا أقول نظام فخصائص النظام الإيراني يختلف جذرياً عن النظام العراقي، فالشيعة هنا في العراق غير منفردين باتخاذ القرار وهم مجبرين لأخذ رأي الطوائف الأخرى, وذلك وفق تنظيرات الدول المحررة للعراق والأمم المتحدة، وخاصة السلطة المدنية التي شرعت للقوانين في البلاد, فأصبح الأمر مختلفاً تماماً. وبالعودة إلى طبيعة الخطاب فإن المواطن الشيعي العراقي كان يرى في الحركات السياسية الشيعية خلاصه، فلجأ إلى متابعة الخطاب السياسي الذي تصدره بشغف، وفي تلك الفترة لم يكن هناك تفكير مجتمعي شيعي (في التفرقة بين خطاب المؤسسات الإسلامية السياسي الديني وبين الخطاب الديني الفقهي)، قد يكون موضوع ضعف وسائل الاتصال والقدرة المعلوماتية في ذلك الوقت عاملاً في عدم وجود تصنيف لأي خطاب لهذه المؤسسات على الرغم من معرفة المواطن بوجود أحزاب إسلامية ومرجعيات شيعية، إلّا أن نظرة العقل الجمعي الشيعي لا تفرق بين الطرفين لإيمانها بأن هؤلاء هم من طينة واحدة، ولا يمكن أن يكون هناك فارق، وهنا تتضح حالة الركود المعرفي أو التوقف البحثي عن المعرفة أو غياب عامل التشكيك والتدقيق على كل ما يُقال، وإن كان من رجال الدين، فالحوادث التاريخية حبلى بالشخصيات الإسلامية (رجال الدين) المنافقين منذ زمن النبي محمد (ص) ولغاية وقتنا الحالي، والشواهد كثيرة، هنا من الطبيعي يتخلل الخطاب الديني شوائب تنمو ضمن إطار مسار عملية توصيل المعلومة إلى العامة وبالتالي الفرد.

       وبالعودة إلى موضوع الاستهجان للخطاب فنجد أنّ الخط البياني تصاعد ليس بشكل تدريجي وإنما قفز بطريقة ملفتة من مرحلة إيمان الفرد المطلق بما يقوله رجل الدين أو السياسي المعمم، إلى رفض وممانعة رهيبة في تحليل أو حتى استقبال مضمون كل خطاب ديني، وأصبح الشارع العراقي بشكل عام؛ الشيعي والسني على حدٍ سواء يتجه إلى المدنية أو العلمانية بسبب الزيف الممنهج الذي تضخه حزم الخطابات الدينية والسياسية للشارع، والممارسات المجحفة بحق الإسلام نفسه أو المعتقد، كون الأمر استفحل ليكون رجل الدين ضمن المؤسسة الدينية ورجل الدين ضمن المؤسسة الحزبية تحت نظرة واحدة ألّا وهي الاستهجان المركب.

       من الممكن أن نضع التجربة موضع تقييم أو تحليل أو تساءل، لمّا يحدث كل ذلك؟ وهنا تبرز عدة إجابات منها؛ تلك النفس المريضة الأمارة بالسوء التي تباغت سلوكيات رجل الدين حاله حال الآخرين، وبالتالي الانحراف وارد، وهنا يجب ألّا نأخذ هذا الانحراف على الدين نفسه، وقد يذهب البعض الآخر، إلى نظرية المؤامرة ووضع الفرضيات التي منها؛ أنني قلتُ في أحد الأيام: "يُراد للدين أنْ يكون مستهجناً من خلال زرع شخصيات تأتي بما لا أصله له في الدين لزعزعة إيمان العامة في مفهوم الدين بشكل عام". إلّا أنّ هذه الفكرة تجابه بعدة أسئلة، من يلجأ إلى المؤامرة؟ ولماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وإلى آخره، قد يكون لعديد من الأسباب؛ منها قوة تأثير الدين باعتبار أن الجهاد وما يتعلق به من رفض للظلم، وضرورة استرجاع الحقوق، والكثير من القضايا التي يتبناها الخطاب الديني في مواجهة الكثير من المعتقدات التي يمكن أن نقول عنها أجنبية أو دخيلة إلى الأوساط الاجتماعية العربية أو الإسلامية أو القضية الفلسطينية أو مشروع الشرق الأوسط أو التدخل الأجنبي وما إلى ذلك، وهنا من الضروري التفريق بين ما ينتجه التحرر الذي تفرزه المدنية المجتمعية المعتدلة بين أفراد المجتمع، والتحلل الذي يمارس أيضاً بصورة ملفتة مؤخراً وأيضاً الاستهجان المنظم للخطاب الديني بأنواعه، سواء كان سياسياً أو فقهياً، فالدعوة لممارسة المدنية أمراً طبيعياً بعد كل ما أفرزته المؤسسات الإسلامية، من فشل ذريع في إدارة ملفات السلطة والمجتمع، فالأمر أصبح و كأنّ المواطن يرى أن الدين كذبة من خلالها تتم السيطرة المطلقة على أفراد المجتمع وإدارة الرأي العام من خلال الإباحة والتحريم، والتدخل في كل التفاصيل المجتمعية، فهذا الأمر أصبح عبئاً على جوهر الدين الإسلامي الذي وضع نظاماً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً لإدارة الدولة، على الرغم من وجود الاعتراضات هنا وهناك عن كون هذه الأنظمة لا تصلح للمجتمعات الحديثة، وهذا الأمر كان يجب أن يُدار بطريقة صحيحة من قبل مجتمع رجالات الدين، ليتم تحديث الخطاب وتوجيهه إلى ضرورة تطوير الذات المسلمة بما يخدم الحاجة إلى التطوير التكنولوجي الحاصل في العالم الغربي، فموضوعة التطور الصناعي غير مرتبط بدين معين بقدر ما هو نتاج فكري قوامه الأختراع.

       الكثير يذهب إلى أن الخطاب الديني لم يعد له حاجة، والمؤسسة الإسلامية الفقهية أصبحت حلقة زائدة في المجتمعات ويجب القضاء عليها، كون الدين حملت بياناته على الإنترنيت وباب البحث موجود، و أيضاً حتى لا تفرز مجدداً مؤسسات إسلامية سياسية تمارس السلطة بطريقة دنيئة، كما يحدث الآن من قبل الأحزاب الدينية في العراق، وهذا المفهوم خاطئ، فإنه ليس من ذنب جوهر الدين أن يمارس رجاله السياسة ضمن أنظمة سياسية مفصلة لفكر إداري مختلف تماماً، وهذا هو الانتحار بعينه فعلى الشخصيات السياسية أما نزع عباءة الدين والانخراط ضمن الأنظمة الوضعية، وممارسة السياسة بشكل طبيعي، وأيضاً عدم وضع الأيادي في أموال الشعب أو التنظير لنظام سياسي إسلامي، وممارسة خطاب ديني حقيقي بمعزل عن الشركاء، وإقناع الشارع بأنه لا يدير شؤونه سوى النظام الإسلامي بمفهومه الدقيق، وهذا الأمر أصبحت ممارسته في الوقت الحالي ضرباً من الخيال، بسبب تهجين العقلية العربية الإسلامية، وتطلعها إلى الغرب لأن تحكم كما يحكمون مجتمعاتهم، وتحقيق نسبة من الرفاهية المجتمعية، وهذا أيضاً يرجع إلى سبب جوهري نتيجته استهتار رجل الدين في اختيار طريقه السياسي، وإدارة السلطة، وتحكمه بصورة سيئة بما أعطاه الدين الحقيقي من خصائص، تجعله يحرك المواطن كيف ما يريد.
موضوع الاستهجان للخطاب شائك ويحتاج للكثير من الحديث ويجب وضع تسلسل منطقي للأحداث المتعلقة بالدين، بشكل خاص ابتداءً من سيطرة الخلافة الأموية والعباسية وما تلاها من دول إسلامية إلى الحركات الإسلامية المشبوهة التي برزت على الساحة الإسلامية وممارساتها الإرهابية، بغض النظر عن الأسئلة المطروحة عن الجهة الخالقة لهذه الحركات؟ وأخيراً إلى الإسلام السياسي الذي فشل في الاشتراك ضمن الحكومات العربية وخاصة العراقية في إدارة البلاد، وأنتهى بتستر رجالات الدين وممارسة الرذيلة بطرق مختلفة، على الرغم من أني أعطيهم تصنيفاً مختلفاً عن رجالات الدين الخلصاء، وهنا لا بد من المرجعيات الدينية وضع برامج تأهيل شاملة لتهيئة المجتمع من جديد إلى تقبل الخطاب الديني، الذي لا يتعارض مع المدنية والديمقراطية باعتبارها واقع حال وذلك بالاستعانة بالخبرات الأكاديمية من جهة، والشخصيات الدينية المعتبرة، وإشراك السلطة في برنامج اجتماعي متكامل، كون الواعز الديني والأخلاقي في ممارسة الحياة اليومية للفرد يجب أن يكون أمضى من غيره كون الواعز القانوني ذا تأثير وقتي في بناء المجتمع، وبالتالي أستهجان الخطاب الديني يكون صحياً بكونه استنفاراً مجتمعياً لرفض الظلم بكل أشكاله حتى وإن كان من المؤسسة الدينية.

#الحسين_بن_خليل
#اتحاد_الشباب_العراقي_لكتاب_المقالات

10‏/11‏/2018

العدمية وشرعنة الانتحار

 الكاتب: كاظم عبد الله


"العدمية وشرعنة الانتحار"

     العدمية: مذهب فلسفي، ونزعة بشرية ثائرة على جميع القيود والالتزامات، متنكرة لجوهرية الكون؛ وذات نظرة سوداوية ومتشائمة أتجاه الحياة ومنكرة لجدوائيتها، فهي تفرغ الحياة من كل معناها، وتصر على أنها بلا جدوى أو معنى.
العدمية تنشعب انشعاباً أوّليا، إلى أقسام ثلاثة رئيسة: فهي ذات بعد فلسفي، وأخلاقي، وسياسي، تتساوق في بعدها الأول، مع السفسطة وإنكار مطلق الواقع، كما عند (برتجوارس) أو (جورجياس) السفسطائيين المعروفين، أو تقف موقفًا معرفيًا مشككًا شكًا مذهبيًا لا منهجيًا، كالشك البيروني القديم في إمكان المعرفة البشرية؛ أما في بُعدها الأخلاقي، فهي تنكر واقعية جميع القيم الأخلاقية، وحتى إنَّ أقرت بواقعية تلك القيم، إلا أنها قيم موضوعة من قبلنا، أو نسبية تختلف من فرد لآخر، ولعل هذا هو الذي أودى بها إلى مستنقع التشاؤم والسوداوية، لمّا ترتب على هذا الموقف من إنكار لأخلاقية الكون وخيريته، أما بعدها الأخير، فهو يترادف ترادفًا واضحًا مع الدعوى إلى العبثية في السياسة، وعدم سيادة القانون.
وليس المهم لدينا الآن، تفنيد ما للعدمية من تأصيلات فلسفية، أو مناقشة تمثلاتها الأخلاقية والسياسية، بقدر ما يهمنا درس ومناقشة ما لها من انعكاسات سايكولوجية في الأفراد، وما تلقيه على الواقع الاجتماعي المعاصر من آثار، وعلاقتها بحالات الانتحار المتزايدة.

       الانتحار، بالرغم من تحفظنا على ترجيح القول بكونه نوع من الانهزامية الجبانة، أتجاه مصاعب الحياة، أو هو موقف بطولي قام به الأحرار لإيقاف هذه المسرحية الهزلية الطويلة، إلا أنه يعد من أهم النماذج الحية والتمثلات الواقعية لنتائج الانخراط في سلك العدمية والتشاؤم، فالعدمية، ولما تنظره كما أسلفنا، تصنع أفرادًا يعانون خِواءً فكريًا، وفراغًا روحيًا، واضطرابًا سلوكيًا واضحًا، فيفقد معها الفرد كل ما يدعوه للبقاء، أو يكون مبرِرًا لوجوده، وتكون هي بذلك قد شرعنت له الانتحار، وجعلته مبرَرًا فلسفيًا، وليس مجانبة للصواب إن قلنا، أن الانتحار هو النتيجة المنطقية للعدمية، وهذا لا يعني إنكارنا ما للمشاكل العاطفية أو الاقتصادية، من دور هام في إلجاء الفرد إلى مرحلة متفاقمة من اليأس والقنوط، تصل به إلى هوة الانتحار، إلّا أنه ليس من المعقول، أن تأخذ هذه الأسباب أثرها إلى هذا المستوى من دون أن تجد تبريرات مسبقة عليها، أو ترافقها عند الفرد، شعوريًا كان ذلك أو لا شعوريًا.
ولا بد أن نشير إلى ملاحظة هامة، لا يسعنا أغفالها، وهي أنه ليس بالضرورة، أن يكون الفرد عدميًا محضًا حتى تناله آثار العدمية، بل قد يكون من الأفراد (ولعل كاتب هذه السطور منهم) من هو مصاب بإحدى أشكال تلك العدمية، وإن لم يكن ذلك مشعورًا به؛ وهذا لعله هو الذي طال بعض أكابر الفلاسفة والمفكرين، (كنيتشه) و (شوبنهار) و (أبو العلاء المعري)، وغيرهم من المتشائمين.

     في الختام لا بد أن أقول: من إننا لو نقبنا عن طرق لعلاج هذا الداء، وانتجبنا دواء له، فلا يمكننا والحال كذلك، أن نغفل عن أهم طرق العلاج وأنجعها، بعد أن يكون مسبوقًا بالتجذير الفلسفي لإتمام ناجعيته وتأثيره، وهذا العلاج الناجع هو الإيمان، نعم. فنحن بحاجة إلى أن نؤمن، لأنها تلك القوة التي تشعل فينا جذوة الحياة من جديد، وهو الذي يمدنا بالسكينة والاطمئنان، ويكسونا درعًا من الصمود لمقارعة الحياة، وهو الذي يجعلنا نعيش بقيمة وهدفية.

25‏/07‏/2018

القيم الأخلاقية وأخلاقيات بناء المجتمعات الإنسانية




«القيم الأخلاقية وأخلاقيات بناء المجتمعات الإنسانية»

        أخْلاقٌ (اسم): جمع خُلُق، وهي مجموعة صفات نفسية وأعمال الإنسان التي توصف بالحُسْن أو القُبْح سمو (كرم الأخلاق)، والخُلُق: حالّ للنفْس رَاسِخَةٌ تصدر عنها الأفعالُ من خيرٍ أو شرٍّ من غير حاجةٍ إلى فكرٍ ورويَّةٍ (1). وتعرف الأخلاق لغةً بأنها الطّبع، والسّجية، والدين -علماً أن الدّين هو الصورة الباطنية للإنسان، أمّا الأخلاق فهي الصورة الظاهرة له-، ويوصف الشخص بأنَّه حَسَن الباطن، والظّاهر إن كان حَسَن الخُلُق والخَلْق، أمّا الأخلاق اصطلاحاً فهي قيم راسخة في النفس، تنمُّ عنها الأفعال (2)، وقد تتكون عندها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإنْ كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خُلُقَاً حسناً، وإنْ كان الصادر منها الأفعال القبيحة سُمّيت الهيئة خُلُقاً سيئاً (3).
ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذه الأفعال قد تكون محمودةً فيكون الخُلُق حَسَناً، أو قد تكون مذمومةً فيكون الخُلُق سيّئاً، ومن هنا تأتي أهمية الأخلاق في بناء المجتمعات، وكشفت الدراسات الأنثروبولوجيا أن تاريخ الحضارة البشرية مليء بالشرائع الأخلاقية وأنها تتقارب تقارباً شديداً (4)، وحتى إذا افترضنا وجود اختلافات بينها فإنه ليس هناك ما يمنع ظهور أخلاقية مطلقة (5)، وهذا يعني أن الأساس الأخلاقي في البشرية فطري، وأن للقيم وجودها الذاتي حيث تفرض نفسها على الوجدان البشري بطريقة أولية حدسية "أما عجز بعض الأشخاص عن إدراك القيم أو التمييز بينها إنما هو "العمى الخلقي" الذي قد يرجع إلى انعدام النضج أو نقص التربية لديهم" (6).وفيما يأتي سنعرفكم على هذه الأهمية.

        هنالك الكثير من الجدل الذي يدور حول موضوع الأخلاق، وما هو المطلق والنسبي فيها، وهل مصدر الأخلاق هو الدين أم العقل؟ وهل الذي يحدّد أخلاق الشخص هو الخير والشر؟ هناك آراء مختلفة في ما يخص الأخلاق لدى الإنسان، ويوجد الكثير من التوجهات المختلفة في تفسير أخلاق الإنسان، فقد قال أفلاطون: "إنّ الخير فوق الوجود شرفاً وقوّة"، بينما قال الأشعري: "إنّ الخير والشر بقضاءٌ من الله وقدره"، فلكلِّ إنسانٍ مجموعة من ردود الأفعال حين تعرّضه للمواقف المختلفة في حياته، وبناءً على ردود أفعاله يحكم الآخرين على مستوى الأخلاق لديه، وينظر إليها الفلاسفة من زاوية أخرى، فتارةً ترتبط ردود الأفعال بقيمة الحسن والقبيح وذلك ينتج عن فلسفة الجمال لديهم، وتارةً أخرى ترتبط بقيمة الخير والشرّ نتيجة لفلسفة الأخلاق، ويرجح البعض أنَّ الأخلاقَ ذاتَ سلطةٍ مقدّسةٍ مصدها الله، والبعض يقول أنَّ مصدرها العقل فهو القادر على التمييز بين ردات الفعل على الفعل الأمثل. وللأخلاقِ وجهتان.
الوجهة الأولى: هي التي تشير إلى إنَّ أساسَ الدين هو الأخلاق، وإنَّ كلاً من الخير والشرّ هو بإرادة الله، فكل ما قال عنه الشرع أنّه حسن هو الخير، وكل ما نهى عنه الشرع هو الشر، وقد نقل عن ابن حزم الأندلسي أنه قال: "ليس في العالم شيء حسن لعينه ولا شيء قبيح لعينه لكن ما سماه الله تعالى حسن فهو حسن وفاعله محسن" (7)، ومن الأمثلة التي توضّح قوله هذا إنَّ فعلَ القتلِ هو خيرٌ في حال كان دفاعاً عن النفس، أمّا في حالة كونه لتحقيقِ مصلحةٍ شخصيّةٍ فإنّه فعلٌ قبيحٌ، لذلك فإنّ المولى قد أمرنا بفعل كل حسن وتجنب كل قبيح، وحتّى حين إطاعة أمر الله فإنّه لا يجب أن يعطل العقل فهو يساهم في بناء الأخلاق أيضاً.
الوجهة الثانية: هي التي تؤيّد أنّ قيم وأخلاق الإنسان التي يتبعها ويطبّقها مصدرها العقل، فهي قيم ثابتةٌ مطلقةٌ لا يُغيرها تغير الزمان أو المكان، ويعتبر أفلاطون أشهر المدافعين عن هذه النظرية، فقد قسم أفلاطون الوجود لقسمين، العالم المحسوس وعالم المُثل، وقال: "إنَّ الأخلاقَ تكون في عالم المُثل وللعقل القدرة على أن يستعيدها، وإنَّ العقلَ هو الوحيد القادر على التخلص من سجنه داخل الجسد" (8)، فمن المهم أن يتصرّف الإنسان بشكل يجعله مشروع أخلاقي، كما يجب احترام القوانين والإنسانية بحيث يعامل الآخرين كونهم غايةً وليس وسيلةً، ولكن هذا التوجه لا يمكن أن يكون صحيحاً بالكامل فالعقل ليس معصوماً من فعل الأخطاء، ويحتاج لتوجيه وإرشاد، وخير مرشد له هو الدين.

       لا ريب منّا وجوب التفريق بين الأخلاق والأخلاقيات، والفرق بينهما من ناحية المفهوم والتطبيق، وحيث إننا كعرب لا نفرق بين الأخلاق والأخلاقيات ونعتبرها واحدة، حيث لا تساعدنا لا اللغة ولا الضمير الجمعي على رؤية الفرق الجلي بينهما؛ أخذنا نخلط بينهما خلطاً عجيباً غريباً، وأصبحنا نخلط في مطبخنا الثقافي والحياتي بين الطين والعجين، وهنالك فرق كبير بين الأخلاق (Morals) والأخلاقيات (Ethics)، فالأخلاق: هي مجموعة القيم والمبادئ التي تحرك الشعوب مثل العدل، والمساواة، والحرية؛ وتصبح مرجعية ثقافية لها وسنداً قانونياً تستقي منه دولها أنظمتها وقوانينها. أما الأخلاقيات: فهي مجموعة القيم والآداب، المتعارف عليها شفهياً أو كتابياً بين أصحاب مهنة معينة، والتي يبنون عليها الأنظمة والشروط التي يعملون تحت ظلها كأخلاقيات مهنة. وعادة ما تكون أخلاقيات مهنةٍ ما متضاربة مع أخلاقيات مهنةٍ أخرى، وذلك في سبيل حماية المصلحة الخاصة والذود عنها. أي أنَّه ليس بالضرورة، أن تكون أخلاقيات مهنة متماشية مع أخلاقيات مهنةٍ أو مهنٍ أخرى، أو مع الصالح العام. فكل مهنة بالطبع، تتحيز لنفسها ولمصلحة العاملين بها. والدين بشكل عام سند للأخلاق، وفي كثير من أحكامه الفقهية ضابط إن لم يكن مضاداً للأخلاقيات. أي أنَّ الدينَ داعمٌ ومؤيدٌ للأخلاق، التي تصب في الصالح العام. وتظهر المشكلة جلية عندما يتم الخلط بين الأخلاق والأخلاقيات، وهذا ما وقع فيه العرب قديماً وحديثاً. حيث خلطوا الأخلاق بالأخلاقيات، أو بمعنى، دمجوا الأخلاق بالأخلاقيات وتعاملوا معها من هذا المنظور المجحف بحق الأخلاق، وأصبحوا يتمتعون بأخلاقيات لا بأخلاق، ويعتبرونها الأخلاق. ولذلك فقدوا أيَّ مرجعيةٍ أخلاقيةٍ تُستند لها ثقافتهم الوجدانية الجمعية وتبنى عليها قوانينهم وأنظمتهم الحياتية الخاصة والعامة؛ ليصبح لديهم منظومة أخلاقية معترف بها ومتعارف عليها. وأتى هذا الخلط الغريب والعجيب، من التكوين البنيوي الاجتماعي والثقافي ثم السياسي التاريخي للعرب. فقبل أن تتكون للعرب دولة، بمعنى الدولة التي تكونت لاحقاً، كان غالبية العرب، يقطنون الصحراء، ويمتهنون مهنة الرعي. أي كانت مهنة الرعي مهنتهم الرئيسة إن لم تكن الوحيدة، التي يعتاشون منها. ولذلك فمن الطبيعي أن تظهر لديهم أخلاقيات مهنة الرعي واضحة وجلية. إذ شكلت لديهم منظومة أخلاقيات؛ تمثلت بثقافة القبيلة من عادات وتقاليد، أخذت تحركهم وتحفظ مصالحهم، ضد المهن الأخرى وأصحابها. ولذلك فليس بالمستغرب أن يستنكف العربي القبلي من المهن الأخرى مثل الصناعة والزراعة ويحقرها ويحقر العاملين بها، والتي كان من الممكن أن تغري بعض الرعاة لترك مهنة الرعي والانتقال للعمل بها، وقس على ذلك الاندماج مع الآخر وما شابه ذلك من عادات وتقاليد تمليها أخلاقيات مهنة الرعي. والأخلاقيات تعتمد دوماً على مفهوم التميز الذاتي والإقصائية للآخر.

        عاش العرب بتحرك ثقافتهم ووجدانهم الجمعي أخلاقيات مهنة الرعي، لأكثر من ألفي سنة، قبل أن تتأسس لهم دولة. وعندما أتى الإسلام وتأسست الدولة العربية الإسلامية، كان من المفترض أن تتحرك أنظمتها وقوانينها على منظومة الأخلاق الشرعية التي عمل بها، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن عملية حرق المراحل التي أتت بعد مرحلة النبوة، والتي قامت الدولة بفرض سيطرتها وهيمنتها سريعاً وبوقت قياسي على مناطق شاسعة وشعوب متباينة، أفقدتها ميزة البناء والنضج التدريجي الحضاري التراكمي، الذي كان من الممكن أن تتشكل من خلاله منظومة أخلاق متفق عليها من قبل جميع فئات شعوبها، خاصة كونها تمتلك الأساس الديني الداعم لمنظومة أخلاق متحضرة ومتفق عليها؛ ولم يحدث ذلك. ولضمان سيطرة النخبة العربية الحاكمة للدولة الجديدة، المسنودة بعصبتها وعصبيتها القبلية، على مكاسبها التي أخذت تدر عليها ثروات طائلة ميسرة وغير منقطعة؛ حركت أخلاقياتها الرعوية لتتحكم بمقاليد سلطة دولتها الجديدة، وتنعم بـ "الغنيمة" لوحدها دون غيرها من باقي فئات وشعوب الدولة، ولتضفي الشرعية على تحكمها بمقاليد السلطة والغنيمة وتضمن عدم منازعة غيرها لها فيها. جللت أخلاقياتها الرعوية بالصبغة الدينية، وأخذت تحكم من منطلق منطق الراعي بالرعية الحرفي لا الرمزي. ولذلك تحولت علاقة الأفراد بالدين إلى علاقة أفقية لا عامودية، أي أصبح الدين ينظم ويشرعن علاقة الأنا بالسلطة وعليه الأنا بالآخر، لا الأنا بالذات الإلهية، خاصة في الأمور العقيدة والتعبدية الخاصة. كما تم تهميش مقاصد الشريعة من حفظ الحقوق بالعدل ونفي الظلم (أخلاق)، وتم التركيز على الحلال والحرام (أخلاقيات) وجعلها صلب الدين وركيزته. وعليه تم بالتدريج نظم منظومة أخلاقيات عربية مقدسة؛ سعت لتطبيقها واحتكار تفسيرها النخب الحاكمة آنذاك. فأصبح من يتمسك بها يضمن نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، بجانبهم وحدهم دون غيرهم، من المعارضين والمزاحمين لهم. ولذلك أصبح التمسك بأخلاقيات النخبة الرعوية المقدسة شرطاً للنجاة بالدنيا والآخرة، ورفعت المعارضة السياسية للنخب الحاكمة نفس الشعار وهو دحض الحجة الدينية بالحجة الدينية المقابلة لها؛ وعليه ساد خطاب الإقصاء الديني والإقصاء الديني المضاد؛ ولذلك فليس بالمستغرب أن يلاحظ المؤرخ العربي ابن خلدون، أنه لا يمكن توحيد العرب سياسياً إلّا من خلال الدين، كما أنَّه لاحظ كذلك أن العرب، لم يبرزوا بمجال الفكر، فلسفة وعلوم دين ومنطق، والذين برزوا بها هم المسلمون من غير العرب. وأما العرب فبرزوا بالشعر فقط. وهذا ليس بالمستغرب، فالشعر هو الفن الوحيد الذي يتقنه ويطرب له الرعاة. وليس بالمستغرب كذلك أن يلاحظ أنه حتى الشعر العربي، ينضح بتفخيم الأنا وتمجيد الفحولة، وعدوه سياقاً موازياً وداعماً لسياق الخطاب العربي السياسي التسلطي أكثر منه للأدب الإنساني. كما أن المفكر محمد عابد الجابري، في مشروعه "نقد العقل العربي" نقد في جزئيه "نقد العقل المعرفي" و"نقد العقل السياسي" نقداً وافياً؛ حيث وجد مادة غنية لنقدها في هذين الجزئين. ولمّا شرع في جزئه الثالث "نقد العقل الأخلاقي" لم يجد مادة أخلاقية كافية يستطيع نقدها، حيث لم يجد منظومة أخلاق عند العرب. ولم يجد لديهم سوى أخلاقيات، مثل الرجولة والشهامة والشجاعة والكرم، وهي شروط تشترطها مهنة الرعي على العاملين بها، أي أخلاقيات مهنة الرعي. ووجد أن أدبيات الأخلاق المتداولة وغير الفاعلة لديهم، ما هي إلّا أدبيات ترجمت من الحضارات الفارسية واليونانية والهندية؛ ولذلك فليس بالمستغرب ألّا تهز قضية أي مجزرة تحدث في بلد عربي يروح ضحيتها مئات الأطفال والنساء والرجال العُزل، لا الرأي ولا الضمير العربي. وتعصف في وجدانهم قضية فتاة، تسكن منعمة بدولة غربية، يطلب منها، لدواع أمنية أو تنظيمية أن تخلع نقابها أو حجابها، وتصبح قضيتهم الشاغلة لهم دون غيرها من قضاياهم المصيرية، فالأولى تنتمي لمنظومة الأخلاق حفظ الحياة والحق في العيش الإنساني الكريم؛ حيث لا وجود لها في ضميرهم الجمعي، والثانية تنتمي لمنظومة أخلاقيات الرعاة، وهي الخروج على أعراف وتقاليد وشروط القبيلة، الحاضنة والمستأمنة على مراعاة وحفظ أخلاقيات الرعي. وهنا يبرز السؤال التالي: فهل نحن كعرب تحركنا منظومة أخلاق أم منظومة أخلاقيات؟، إذ للأخلاق أهمية في بناء المجتمع ولها قاعدة أساسية للمجتمع، إذ تعتبر قاعدة أساسية لبناء المجتمعات، حيث تُبنى عليها جميع القوانين والأحكام، وهي الأساس الذي تقوم عليه مبادئ الحضارة الإنسانية وهي عنوان الشعوب، الأمر الذي يجعلها أساس صلاح المجتمع، والدرع الواقي من المسبّبات المؤدّية لانهياره، وتحويلها إلى مجتمعات تحكمها الشهوات أو الغرائز، وبالتالي سيادة قانون الغاب فيها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): معجم المعاني الجامع، باب الخاء، ب ت.
(2): إبن منظور. لسان العرب، م10، ص86، دار المعارف، ب ت.
(3): الأصفهاني، الراغب. مفردات ألفاظ القرآن الكريم، ص (297)، دار القلم، 2009.
(4): زكريا إبراهيم. المشكلة الخلقية، ص 62.
(5): المصدر السابق نفسه، ص 63.
(6): المصدر السابق نفسه، ص 76.

(7): ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو محمد. الفصل في الملل والأهواء والنحل، مكتبة السلام العالمية، م 3، ص (39).
(8): أنظر لنظرية المُثل لأفلاطون.
 ................................

#حسين_أكرم_غويلي
#اتحاد_الشباب_العراقي_لكتاب_المقالات

المقالات الاكثر قراءة